http://www.albahboha.com/
 
آخر الأخبار :
http://www.albahboha.com/

سجلماسة

تقديم:
مدينة سجلماسة في المصادر التاريخية، هي من أكثر المدن المغربية المندثرة شهرة على الرغم من ااختفاء أغلب معالمها و شواهدها التاريخية التي لم يعد طاهرا منها غير بعض البقايا القليلة جدا. سجلماسة المدفونة تحت تراب المواقع الأثرية المجاورة لمدينة الريصاني، يحكي التاريخ الكثير عنها، وعن الأحداث التي مرت بها، وعن المكانة الهامة التي كانت تحتلها حين كانت ثاني مدينة إسلامية تشيد بالغرب الإسلامي بعد القيروان، وعاصمة أول إمارة مستقلة عن الخلافة بالمشرق في بلاد المغرب وهي إمارة بني مدرار.وقد كانت هده المنطقة ابان الفتوحات الاسلامية من اغنى المناطق في المغرب ودلك للارباح التي كانت تدره عليها التجارة مع السودان.
لقد كانت سجلماسة مثال المدينة النموذجية التي قدمت الكثير للحضارة الإسلامية وساهمت بشكل فعال في بناء الشخصية المغربية المعروف عنها خصال التمسك بالأصالة مع الانفتاح على الجوانب الإيجابية للحضارات المجاورة. وبالتالي التحلي بمبادئ التسامح والتواصل مع الآخر وحرية المبادرة والاعتقاد. تجسيدا للقولة المشهورة لابن خلدون " إن الإجتماع البشري ضروري وهو معنى العمران". وبهذه الجوانب الإيجابية وصلت مدينة سجلماسة إلى أعلى مستويات الرقي والتقدم. وأثرت بشكل إيجابي على الأقطار المجاورة، إلا أن مصيرها المحتوم كان مرتبط بتجارة القوافل الصحراوية، مما جعلها أتعس حظاً, لما تحولت هذه التجارة نحو المحيط الأطلسي، حيث كانت نهايتها المؤلمة. ومع ذلك فإن دورها في التواصل الثقافي والاجتماعي استمر لعدة قرون أخرى إلى حدود الاحتلال الاستعماري حيث حاول بكل قواه تقويض هذه العلاقات المتميزة بين سجلماسة والضفة الجنوبية للصحراء.
لذلك فالتراث العمراني لهذه المدينة يمثل الذاكرة الظاهرة المجسدة للأحداث التاريخية, إذ المكونات المعمارية الشاهد الوحيد الذال على المنجزات الإنسانية. وهو ما يستدعي الإهتمام بهذا "التراث" من كل زواياه, من أجل التدقيق في المعرفة التاريخية وفهم تطور الحضارة السجلماسية العريقة.

I- سجلماسة جغرافيا و تاريخيا:

1-سجلماسة جغرافيا:
تقع سجلماسة في قلب واحة تافيلالت والتي يبلغ أقصى علوها 765متر فوق سطح البحر, وتنخفض باستمرار في اتجاه الجنوب, تبلغ مساحة الواحة حوالي 300 كلم, وتتخللها بعض المرتفعات الجبلية مثل "تيغراس" و"الجبيل" و¨ريش هارون¨. وبالضبط عند التقاء النطاق المعتدل والنطاق الصحراوي وشبه صحراوي, وملتقى الأطلس و"حمادة كثير".

2-سجلماسة تاريخيا:
2-1-أصل التسمية:

من حيث الإسم لم تحظ سجلماسة بأي اشارة أو اهتمام من طرف المؤرخين الإغريق والرومان
مثل : هيرودوت, وسالوست, وبيلين. وكذلك نفس الشيء ينطبق على المؤرخين المشارقة المشهورين أمثال الطبري, وابن الحكيم والواقدي. ظهر هذا الإسم أول مرة عند اليعقوبي الذي ذكر أن سجلماسة كانت تضم قرى تعرف ببني درعة و يشير ياقوت الحموي الى ان مدينة سجلماسة" هي مدينة صغيرة في الجنوب المغربي, في اتجاه بلاد السودان تقع بناحية دون وسط الرمال, يخترقها نهر عظيم". ويضيف البكري,"ليس في قبليها ولا غربيها عمران".هناك ايضا إشارة لحسن الوزان في كتابه "وصف افريقيا", أن تسمية المدينة جاءت مع قائد روماني احتل نوميديا بأسرها, ثم زحف شطر الغرب حتى ماسة فبنى المدينة وسماها سلجوم اخر مدن ماسة والخاتم الذي يسجل نهاية فتوحاته.

2-2. لمحة تاريخية عن المدينة :
اختلفت الروايات حول تأسيس "سجلماسة", ذكر ليون الإفريقي أن مدينة سجلماسة من بناء الاسكندر أو أحد القادة الرومان. لكن المقبول علمياً لدى الدارسين أنها من بناء المسلمين. كانت البداية سنة 140هـ/758م يوم نزلت بموقع سجلماسة جماعة من الخوارج الصفرية، من قبيلة مكناسة الزناتية يقودها أبوالقاسم سمعون بن يزيلان (أونزول أو واسول) الملقب بالمدرار، وتكامل بناؤها في سنوات بقية القرن، فأحيطت المدينة بغابة نخل ثم بسور. كما أضحت قاعدة لدولة نسبت إلى لقب المؤسس فعرفت بالدولة المدرارية، وتوسعت منها لتضم وادي درعة إلى الغرب منها، الوادي المهم بموقعه على خط تجارة الذهب وبغناه بالثروة الزراعية والمعدنية.تسرب إلى الدولة المدرارية الصفرية المذهب نفوذ الرستميين من المغرب الأوسط، وهم خوارج إباضية، عن طريق المصاهرة. واستغل أمويو الأندلس وضع سجلماسة مركزَ تجمع لتجار من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وبثوا عيونهم فيها لجمع المعلومات عن دٌوَله.
وتعرّضت سجلماسة، كغيرها من أصقاع المغرب،للاختراق من قبل الدعوة الفاطمية، إذ وصلها متنكراً بزي التجار إمامها عبيد الله المهدي، فاشتبه به أميرها وسجنه، مما جعل داعيته يسارع، بعد إعلانه قيام الدولة في المغرب الأدنى، إلى اكتساح سجلماسة وقتل أميرها المدراري أليسع ابن المنتصر في ذي الحجة سنة 297هـ/ 910م.حكم الفاطميون سجلماسة حكماً مباشرا بولاة لهم، ثم حكماً غير مباشر بإعادة أمراء مدراريين تابعين، اتقاء لشغب المدينة. وعندما أظهر هؤلاء أمارات الاستقلال قضوا على حكمهم سنة 349هـ/960م.أدى نقل الإمام الفاطمي قاعدته إلى مصر سنة361هـ/972م واتخاذ نوابه الزيريين للقيروان في المغرب الأدنى عاصمة إلى تراخي قبضتهم على المغرب الأقصى، فيسر على خصومهم الأمويين في الأندلس احتلال سجلماسة سنة 374هـ/984م. وحين شغلتهم الفتنة في بلدهم قام مسعود بن وانودين المغراوي باحتلال سجلماسة سنة 400هـ/1009، وأقام فيها إمارة لمغراوة الزناتية ومضت عدة عقود سيطرت بعدها على الصحراء دعوة المرابطين وسرعان ما انتقلوا لاحتلال سجلماسة، سنة 445هـ/1053، بدعوى تلبية طلب فقهائها.
وقد اتخذ المرابطون سجلماسة قاعدة انطلاق لهم،لإتمام فتح المغرب الأقصى، ليتابعوا منه استكمال توسعة دولتهم لتشمل أغلب أراضي المغرب مع الصحراء وغرب افريقية جنوباً والأندلس شمالاً. وأضحت سجلماسة بعدها في قلب الدولة، واستمر وضعها على حاله زمن الموحدين الذين خلفوا المرابطين .ظلت سجلماسة في القرون الخمسة التي تلت بناءها،على الرغم مماحفلت به من تقلبات، مدينة مزدهرة غنية، إلى احتلتها عنوة، في صفر 673هـ/1274م، قوات أبي يوسف يعقوب، سلطان المرينيين الذين ورثوا من تركة الموحدين المغرب الأقصى، واتخذوامن فاس عاصمة لهم، وأصبحت سجلماسة مدينة حدودية جعلها المرينيون قاعدة لوحدة إدارية هي «سجلماسة ودرعة وسائر بلاد القبلة»، وجعلوا حكمها لأفراد من الأسرة السلطانية ولأبناء السلاطين في الغالب. واحتاطوا من محاولة الاستقلال بها فوضعوا إلى جانب الحاكم صاحب جباية وقائداً لمسلحة الجند. لكن هذه التدابير لم تحل دون وقوع المحذور إذ تمرد بسجلماسة الولاة من الأسرة المرينية الذين كانوا يتولون حكمها ويسر على التمرد بها بعدها عن العاصمة، فاس، وطمع دولة بني عبد الواد المجاورة في المغرب الأوسط بها، ووجود عرب المعقل داخلها وحولها. أسفر هذا الاضطراب عن إيقاع الخراب بالمدينة وسورها عند موت السلطان المريني أحمد عام 796هـ/1393م.
بينما كانت دولة المرينيين تتفكك وتنهار كان البرتغاليون يتوسعون على الشواطئ الأطلسية للمغرب. وعجز أقرباء المرينيين وخلفاؤهم في السيادة على المغرب الأقصى، وهم الوطاسيون (875ـ957هـ/1470ـ1550م)، من وقف هذا التقدم الذي وصل إلى جنوب المغرب الأقصى، وتوغل نحو الداخل، ليصل إلى وادي درعة القريب من سجلماسة. تصدت للرد الجماعات المنظمة في أوساط الشعب، وكانت كل منها تلتف إما حول شيخ طريقة صوفية «مرابط» أوحول شيخ ينتمي إلى آل البيت «شريف»، وكانت منطقة سجلماسة وما حولها غنية بهذه الجماعات واستطاع بنو سعد الذين يدّعون هذا
النسب أن يقيموا حكماً وراثياً تحت راية الجهاد (916ـ1069هـ/1511ـ1659م)، منطلقين من وادي درعة، وظلت سجلماسة في عهدهم بلداً متطرفاً يغري بالثورة، كما حصل حين ثأربها المأمون على أحمد المنصور الذهبي (986ـ1012هـ/1578ـ1602م)، كما كانت ملائمة لعقد الاتصالات الخارجية، إذ استقبل بها مولاي زيدان سفارة لمراد الرابع،السلطان العثماني الطامح للسيطرة على المغرب سنة 1012هـ/1603م.خلفت الأسرة السعدية في السيطرة على المغرب الأقصى الأسرة العلوية ، نزل المؤسس مولاي على الشريف في سجلماسة، وقد انطلق منها مولاي الرشيد بن علي لتأسيس الدولة سنة 1075هـ/1664م، كما استخدمها مولاي إسماعيل (1083ـ 1139هـ/1672ـ1727م)، مركزاًلتنشئة أبنائه الكثر بعيداً عن البلاط ومشكلاته، وكان اسم المنطقة «تافيلالت» قد صار علماً على المدينة، فصارت سجلماسة تعرف باسم تافيلالت، لذلك اشتهرت الأسرة باسم «الأشراف الفلالية» التي تحكم في المغرب حتى اليوم.تمتعت سجلماسة في عهد الأسرة العلوية بمكانة سامية، لكنها كانت معنوية فحسب، أما مكانتها الاقتصادية وأساس ازدهارها فقد انهارت نتيجة للاضطراب فيها وفيما حولها وأخذت دورها في تسيير قوافل تجارة الذهب مدينة عكا إلى الغرب منها وعلى مقربة من الساحل.



II- سجلماسة اقتصاديا و اجتماعيا:

1-سجلماسة اقتصاديا:
يسجل الباحث مصطفى ناعمي في دراسته من خلال بلاد تكنة : "كانت ثروات تجار سجلماسة تقدر بمائة ألف دينار (أي ما بين 275 و450 كلغ من الذهب الخالص)، وكانت السلفات تبلغ 40 ألف دينار(أي ما بين 150 و180 كلغ ذهبا)، وتعتبر هذه المبادلات من المؤشرات الممتازة لمعرفة طبيعة وكثافة العلاقات الاقتصادية بين المناطق الجغرافية البعيدة والمجاورة. فقد استمرت في تطورها، حتى بلغت قيمة ضرائب المرور بمدينة سجلماسة وحدها في منتصف القرن الخامس عشر معدلا سنويا يقرب 400 ألف دينار,تعتبر أهم مرحلة اقتصادية عرفتها مدينة سجلماسة هي فترة ارتباطها بمدينة أوداغست، و قد تميزت هذه المرحلة بازدهار كبير. فقد حصلت الدولة الفاطمية على 400 ألف دينار من مدخول ضرائب المدينة سنة 951هـ. وهو مبلغ يعادل نصف مجموع ضرائب الدولة.
الفلاحة :
يتحدث ابن حوقل عن سجلماسة في كتابه صورة الأرض فيسجل: "وسجلماسة مدينة حسنة الموضع، جليلة الأهل، فاخرة العمل، على نهر يزيد في الصيف كزيادة النيل بسنبل لا يشبه سنبل سنبل والشعير ، لذيذ المطعم، و خلقه بين القمح والشعير، لها نخيل وبساتين حسنة، وأجنة، ولهم رطب أخضر من السلق، في غاية الحلاوة".
وفي ما يتعلق بالجانب الزراعي بمدينة سجلماسة، يسجل الشريف الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" وأما مدينة سجلماسة، فمدينة كبيرة، كثيرة العامر، وهي مقصد للوارد والصادر، كثيرة الخضر والجنات، رائقة البقاع والجهات، ولا حصن عليها، وإنما هي قصور وديار وعمارات متصلة على نهر لها كثير الماء يأتي إليها من جهة المشرق من الصحراء".
الصناعة :
اشتهرت سجلماسة بالعديد من الصناعات، من أهمها صناعة المنسوجات، والتي قامت النساء فيها بدور كبير، وصناعة الفخار والذي لم تذكره المصادر القديمة، إذ عثرت عليه البعثات الأثرية في سجلماسة، والتي أظهرت مدى أهميته واعتماد التجارة على تلك الصناعة، وكانت مصانع الفخار خارج المدينة، وذلك للمحافظة على البيئة الطبيعية للمكان، وصناعة الحلي التي أتقنها اليهود.
التجارة :
التجارة وهي أساسية لنشأة المدينة، وهنا نتحدث عن تجارة داخلية، حيث حركة الأسواق في الداخل، تأثر في التجارة الخارجية و على حركة الأسواق الخارجية، وعملية البيع والشراء وبناء الخانات والوكالات لخدمة التجارة الخارجية، كما أن السوق في سجلماسة، يشبه الأسواق الأخرى في الدولة الإسلامية، وكان من أشهرها سوق ابن عقلة. فقد تحكمت سجلماسة في طريق الذهب السوداني، وكان هذا العامل الأول في طمع الدول المختلفة للسيطرة عليها، حتى تتمكن من التحكم في أبوابها وملك مفاتيحها.
كما أدت التجارة الخارجية إلى ربط سجلماسة بالعديد من الدول الإسلامية آنذاك، فهي محطة عبور لها، وامتدت منتجات سجلماسة لكثير من البقاع، ومن أهم السلع التي اشتهرت بها سجلماسة في تجارتها الخارجية:الذهب، والملح والرقيق ثم الفخار والذي عثرت عليه البعثات الأثرية في السودان، وأرجعت صناعته لسجلماسة، فكانت تجارة رابحة لها.
أما وسائل المعاملات المالية، فقد كانت أهم العملات بها تلك المصنوعة من أجود أنواع الذهب.
أهم الطرق التجارية المستعملة في تلك الفترة :
سجلماسة _ أوداغست51 : مرحلة.
سجلماسة – أوليل 60 : مرحلة.
سجلماسة – غانة/كاو 61 : مرحلة.
سجلماسة – بلاد التكرور90 : مرحلة.

2-سجلماسة اجتماعيا:
أما عن الحياة الاجتماعية فقد كانت سجلماسة خليطاً من السكان، وأهمهم الأمازيغ، ثم العرب، وأهل الذمة،وأهمهم اليهود, كما كثرت بها الأجناس المختلفة، ليعيشوا معاً في وحدة سياسية واحدة، من أجل كسب الرزق وأهم وسائله التجارة. ومن حيث طبقات المجتمع السجلماسي، وتدرجها;يأتي الحكام على رأس الهرم السكاني. ومن الملاحظ; صعود التجار الأثرياء ليكونوا بذلك ضمن الطبقة الأولى نظراً لثرائهم الكبير.
كان لوجود سجلماسة بالقرب من منابع الذهب، دوراً أساسياً وأولياً في نشأتها، وتعاقب وطمع الدول فيها، دولة تلو الأخرى للاستحواذ على تلك الثروات والخيرات. ورغم هذا ظلت قائمة الذات عدة سنوات حتى انهيارها واندثارها تماماً في القرن الثامن الهجري/ الخامس عشر الميلادي.
يمكن التمييز داخل هذه الساكنة بين العناصر الرئيسية التالية:
الأمازيغ:
وهم من السكان الأصليين بالمنطقة ويتكونون من المجموعات الثلاث التالية:
- زناتة: وتشمل قبائل مكناسة التي يرجع إليها الفضل في تأسيس سجلماسة وفي خلق أول نواة للاستقرار بالمنطقة بل واستطاعت أن تكون إمارة سياسية لمدة قرنين من الزمان [الدويلة المدرارية 772-976م]، ثم قبائل مغراوة والتي تحكمت في سجلماسة ابتداءً من سنة 976م وإلى غاية دخول المرابطين للمدينة بصفة نهائية عام 1054م. وأخيراً نجد قبائل بني مرين التي استقرت بالمنطقة منذ بداية القرن 13م.
- صنهاجة : وتمل العنصر الأكبر كثافة بالمنطقة وعرف معظمها الاستقرار مع سيطرة المرابطين على سجلماسة بزعامة أبي بكر بن عمر اللمتوني ويوسف بن تاشفين سنة 1054م
-مصمودة : استقرت في الغالب مع تحكم الموحدين على سجلماسة ما بين سنة 1139 و1145م وكانت القبائل المصمودية بالرغم من قلة عدد أفرادها تبسط نفوذها على دواليب التجارة والجندية والقضاء والإدارة.
العرب:
ترجع بداية استقرار الفئة الأولى منهم إلى عهد الفتوحات الإسلامية خلاف النصف الثاني من القرن السابع الميلادي وهي الفئة التي يعود إليها الفضل في نشر تعاليم الدين الإسلامي بالمنطقة وإن اتخذ مع ظهور إمارة سجلماسة الطابع الخارجي الصفري. أما الفئة الثانية فتتمثل في قبائل بني هلال وبني معقل والتي كانت في أول الأمر تعيش على نمط الترحال قبل أن تستقر بالمنطقة وتتكيف مع الحياة العامة المحلية. الفئة الثالثة هي الشرفاء والذين لم يظهروا بالمنطقة حسب أغلب المصادر التاريخية إلا خلال النصف الثاني من القرن 13م عندما وصل إلى سجلماسة المولى الحسن الداخل جد الأسرة العلوية سنة 1265م فاستقر بالمدينة وخلف بها ذريته التي استطاعت توحيد المغرب تحت رايتها ابتداءً من النصف الثاني من القرن 17م.
الأندلسيون :
وقد استوطنوا سجلماسة منذ نشأتها بل هناك من المصادر التاريخية ما يؤكد أنهم ساهموا في تشييد هذه المدينة. إلا أن عددهم لم يكن مهماً سوى عقب فشل ثورة الربض بقرطبة سنة 818م، حيث استقبلت سجلماسة أفواجاً من الفارين وكان من بينهم الحرفيون، التجار والعلماء والذين لا شك قد لعبوا دوراً هاماً في الأحداث التي عرفتها المدينة خلال فتراتها المتقلبة بين الازدهار والتدهور.
الأفارقة :
يرجع أصلهم إلى أفريقيا جنوب الصحراء وقد جلبوا إلى المنطقة بواسطة تجارة القوافل. وربما لعبت كثافة هذا العناصر عند بداية بناء سجلماسة الدور الحاسم في تعيين أحد أفرادها وهو عيسى بن يزيد الأسود كأول حاكم للمدينة ما بين 757 و772م.
أهل الذمة:
وقد ساهم هذا العنصر بشكل جلي في التطور الاقتصادي للمنطقة وخاصة في التجارة وسك العملة والنسيج والصناعة الجلدية، ولكن يبقى تاريخ استقراره مجهولاً. فبعض الروايات التاريخية تقول إنهم أتوا من المشرق خلال عهود قديمة قبل الإسلام وبعضها الأخر لا يستبعد أن يكون مجيئهم من شبه الجزيرة الأبيرية خلال القرنين 14م و15م.
الحراطين :
وهم فئة ملونة تميل بشرتها إلى السواد، أصلها غير معروف بدقة وربما تكون بقايا الأجناس البشرية الأفريقية القديمة من الجيتول أو النوميديين أو الأثيوبيين، وعلى كل حال فهذا العنصر شكل عصب الحياة الاقتصادية السجلماسية وتعاطى خاصة للفلاحة "الخماسة" ومن هنا ربما اشتق اسمه.

خلاصة القول, أن ساكنة سجلماسة بالرغم من تشكلها الفسيفسائي استطاعت التأقلم والتواصل فيما بينها وداخل محيطها الجغرافي وذلك من خلال تنظيم محكم يراعي التوازن الطبيعي والاجتماعي ويوفر الاستقرار السياسي والاقتصادي.

III- سجلماسة حضاريا و اتريا:

المسجد الجامع :
كما هو معلوم يعد المسجد من بين المرافق الأساسية في تشيد المدن الإسلامية , ويبقى المسجد احدى الخصائص العمرانية التي تحتفط بموضعها ومكوناتها لعدة قرون لما تخضع له من عمليات الصيانة والإصلاح باستمرار ويتخد المسجد موضعه في قلب المدينة ليتمكن السكان من الوصول إليه, "وكان يراعى فيه أن يكون في وسط العمران وأن تكون مساحته واسعة".
وفيما يخص المسجد الجامع "السجلماسي" فيمكن القول أنه لم يخرج عن العادة, فقد شيد في مركز المدينة قرب دار الإمارة, وقد بني بإتقان ومتانة. يضم قاعة للصلاة ومنبر وصحن وحراب, بالإضافة إلى المئذنة ودار للوضوء إلى جانب بيوت لإيواء الطلبة, وقد أسس المسجد الجامع من طرف عيسى بن يزيد الأسود وأعيد توسيعه على يد الأمير المدراري اليسع ابن النصور بن أبي القاسم سنة 199هـ/418,وهذا ما يؤكده البكري في كلامه: "وجامعها متقن البناء بناه اليسع فأجاده". وتحتفظ الذاكرة الشعبية المحلية وتعيد بنائه إلى عهد محمد بن عبد الله الذي عمل على ترميمه وتغيير سقفه. الأمر الذي أكدته البعثة المغربية الأمريكية التي قامت بحفريات في المكان وأثبتت أنه تعرض لأربع تغيرات.

دار الإمارة :
من أهم المرافق الأساسية في المدينة الإسلامية وخاصة التي اتخذت كعواصم وتقع غالبا في قلب المدينة بجوار المسجد الجامع وتمثل المقر الرئيسي لحاكم المدينة وقد بني هذا المرفق في سجلماسة منذ بداية التأسيس على يد عيسى بن يزيد. ولا شك أنها خضعت لجملة من الترميمات إلا أن معرفتنا بها ظلت قاصرة بسبب انعدام المعطيات التاريخية. من الناحية الأثرية فقد كشفت البعثة المغربية الأمريكية خلال فترة ( 1994/ 1996) عن وجود بنيات سكنية ضخمة تحت المستوى الأسفل للمسجد الجامع، كما كشفت عن مكوناتها بحيث أن الجهة الغربية تحتوي على فناء مربع ذي أرضية مبلطة بدقة تربطها شرقا وغربا على شكل أقواس يؤدي إلى غرف مجاورة وبهذه المنطقة اكتشفت عدة قطع من الجبس المصبوغ ومن الخشب المزين برسومات جميلة كما تمثل الزخرفة على الكلس والصباغة على الخشب نمطا متميزا. وحسب نتائج (الكربون 14) تم تأريخ هذه المرحلة ب770م عهد بني مدرار.


الحمامات:
وهو مرفق ضروري ومهم في المدينة الإسلامية، حرص الحكام والسكان على حسن تدبير مجاريه المائية, ويعكس إنشاء الحمامات بالمدينة الإسلامية مدى الحاجة إليها." كما تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن حمام سجلماسة كان يقع بعيدا عن المسجد الجامع وهو ما أكدته الحفريات الأثرية وأضافت أنه يتكون من غرفتين كبيرتين والعديد من الغرف الصغيرة وسط مجرى وادي زيز.
توفرت سجلماسة على عدة شوارع وأزقة وقد أوردة المسعودي أـن المدينة كانت تمتد من الشمال إلى الجنوب على مسافة تساوي نصف يوم على الأقدام، والرواية الشفوية تِأكد ذلك بقولها أن المسافة بين مدخل المدينة من الشمال نحو الجنوب تساوي مشي امرأة من طلوع الشمس إلى غروبها، وبالإعتماد على صور القمر الإصطناعية تبين أن طول الشارع الرئيسي للمدينة يبلغ 7كلم أو أكثر.
ذكر البكري أن المدينة تتوفر على بساتين كثيرة,وتأكد المصادر التاريخية المكتوبة أن سجلماسة أسست وسط واحة خضراء وقرب نهر دائم الجريان وقد قام عيسى بن يزيد الأسود بتنظيم قنوات الماء لكل حقل وقام بغراسة الكثير من شجر النخيل والعنب والفواكه".وبذلك كانت سجلماسة كباقي المدن المغربية المعاصرة وخاصة فاس, تتميز بوفرة المياه وببساط دائم الخضرة واشتهرت مع ذلك بوجود النافورات والناعورات, وهذا ما كشفت عنه الحفريات الأثرية للبعثة المغربية الإيطالية فيما بعد سنة1971-1972.

المقابر:
وبالنسبة للمقابر فإنها تشيد غالبا في المدن الإسلامية خارج الأسوار وبالأخص قرب السور الخارجي, وغالبا ما تتوفر كل طائفة على مقبرتها الخاصة, وللأسف لا نعرف شيئا عن مقابر وأطرحة مدينة سجلماسة القديمة فكل ما نجده حاليا من مقابر إسلامية أو يهودية ترجع إلى القرن 13هـ/20م.


الجسور:
تعد الجسور من المعالم الأثرية المهمة في المجال العمراني وغالبا ما تشيد من الحجارة والجبس أو الخشب فوق الوديان والسواقي; يشير ابن الخطيب إلى وجود مثل هذا المرفق العام بسجلماسة "وجسرها يعجز عن مثله معتصم ورشيد", وهناك إشارة في الرواية الشفوية على أن مدينة سجلماسة كان يربطها مع سوق ابن عقلة جسر على الوادي وممر طويل تحيط جوانبه جدران من الطابية, وهذا أكدته البعثات الأثرية والصور الجوية وصور الأقمار الإصطناعية .


الأسوار:
تعتبر الأسوار في المدن القديمة رمزا للأمن والوقاية من كل تدخل خارجي بحيث تحاط هذه المدن بأسوار متينة تتخللها عدة أبراج للحراسة وأبواب محصنة, وقد أشار الإدريسي أن القصبة السجلماسية كانت خالية من كل تحصين, بينما يشير المقدسي إلى أن السور الذي بني عليها كان من طين, وفي نفس السياق يضيف البكري في قوله :" وسورها أسفله مبني بالحجارة وأعلاه بالطوب".


الأبراج:
وتلعب دورا المراقبة والإتصال في نفس الوقت وكانت ولا شك عديدة وتحتل الأماكن البارزة, وتتخد الأبراج شكلا مستطيلا تبلغ مساحته 18متر, يصل علوه الى 7أمتار, وغالبا ما تتوفر هذه الأبراج على مدخل وسلالم وغرف وفتحات للحراسة. وقد ثم العثور على برجين في حفريات 1990م, وثم حفرها لعمق 5 أمتار. أما الأبواب في المدن الوسيطية فكان لها دور هام, مما جعل وظائفها تتعدد مع التطورات التاريخية.

الأبواب:
وقد اختلف تاريخا في عدد الأبواب, والمرجح أنها كانت موزعة على كل الإتجاهات, حتى تسهل مأمورية خروج القوافل التجارية نحو مقاصدها وهنا نستحضر كلام القلقشندي بقوله:" من أي باب منها خرجت ترى النهر والنخيل وغير ذلك من الشجر.", وكان يطلق على تلك الأبواب أسماء المناطق المطلة عليها أو اسم محلي للدلالة على النشاط الذي كان يمارس في ذلك المكان, ويضيف البكري أن سور سجلماسة كان له اتناعشر بابا منها ثمانية حديد, ويعتبر المقدسي الوحيد الذي أورد أسماء بعض أبواب سجلماسة مشيرا إلى:" أن بسجلماسة الباب القبلي, والباب الغربي, وباب غدير الجزارين, وباب موقف زناتة وغيرها".

المرافق الخاصة /المنازل :
يرتبط تنظيم السكن داخل القصبات والمدن المغربية الإسلامية, وبالبنية السياسية والإقتصادية للساكنة, وتفسر طبيعة البناء حسب العوامل البيئية, من مناخ وتضاريس وطبيعة التربة والمواد المتوفرة , وكذلك حسب التطور التقني وثقافة كل مجموعة سكنية .
ففي سجلماسة, وهي منطقة حارة وجافة, تلعب المواد الطينية المحلية دورا فعالا في تكييف الهواء الأمر الذي ينعكس على شكل المنازل, فهي بذلك مغلقة على نفسها وقليلة الفتحات, كما أنها تجمع المرافق للتقليل من شدة الحرارة. واستغلال المرافق تحت أرضية والفتحات العمومية ( عين الدار, والصحن المكشوف). بجدران محصنة من الطابية رغبة منها في الحفاظ على الوقار وفي الإقتصاد في المواد المستعملة, وفي هذه النقطة بالذات يظل التنظيم المعماري للمنازل السجلماسية مجهولا بسبب نذرت المعلومات التاريخية والأثرية.



خاتمة :
إن محاولة رصد المكانة الإستراتيجية لمدينة سجلماسة وإقليمها وكذا البحث عن مقومات المدينة، سواء الاقتصادية أو العمرانية أو الديموغرافية، تصطدم بقلة الإشارات في المصادر ونذرتها، مما يجعل الباحث في وضع لا يحسد عليه، إذ رغم مكانة المدينة خلال العصر الوسيط عموما، فإن المعلومات التي وردت بشأنها لا تشفي الغليل، ومن ثم فإن الصعوبة تزداد أثناء البحث عن أهم الإشارات التي تفيد في معرفة تطورمدينة سجلماسة.ويتضح مما سبق إن محاولة البحث عن أدنى الإشارات ، يعد خطوة هامة في الاستفادة من كل ما من شأنه أن يسد بعض الثغرات، وذلك من خلال تتبع التطور التاريخي للمدينة وإبراز أهم التحولات العمرانية والمميزات الاقتصادية ذات الدلالة التي واكبت المدينة عبر مسارها. إذ احتلت المدينة عبر تاريخها موقعا هاما في خريطة المغرب الأقصى، وشكلت نقطة وصل بين إفريقيا جنوب الصحراء وشمال المغرب والمشرق وأوربا.
-------------------------------------------------------
المراجع:
ابن حوقل; صورة الأرض.
الحموي ,معجم البلدان.
ابن فضل الله العمري; مسالك الأبصار في ممالك الأمصار.
اليعقوبي ,كتاب البلدان.
أبو عبيد عبد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب.
الشريف الادريسي ,نزهة المشتاق في اختراق الافاق.
مؤلف مجهول، كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار.
ناعمي مصطفى، سجلماسة، ونول لمطة من خلال الوثائق التاريخية والحفريات،أعمال ندوة سجلماسة تاريخيا وأثريا. الرباط.
لحسن تاوشيخت ; سجلماسة كمحطة للتواصل الحضاري بين ضفتي الصحراء.
حسن حافظي علوي, سجلماسة و اقليمها في القرن التامن الهجري الرابع عشر الميلادي.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://albahboha.com/news168.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 364
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0