http://www.albahboha.com/
 
آخر الأخبار :

ديار المدينة العتيقة بالمهدية: من الدار "التقليديّة" إلى توافد الفئات المرفهة واكتساحها للمدينة النواة

يهدف هذا البحث إلى توجيه مساءلات لإشكالية ما يسمى بالمدن "العتيقة" أو المدن التقليدية أو المدن "التاريخية" وتموضعها ضمن قطبي المركزة 1centralité والتهميش من خلال دراسة حالة مدينة المهدية( الواقعة في جهة الساحل التونسي بين مدينتي سوسة و صفاقس، على بعد 200 كلم جنوب شرق العاصمة تونس).

2ونظرا لاتساع الإشكالية وتشعب مسالكها وتعقد عناصرها، سنكتفي في هذه الورقة بمكوّن مورفولوجي أساسي يتشكل من خلاله فضاء المدينة العتيقة وزمانها ونعني بذلك الدار أو البيت بوصفهما نقاط أو وسائط تمفصل بين الفضاء الخاص والفضاء العام وبين العالم الداخلي لمتساكني هذه الديار والعالم الخارجي وكذلك من حيث أنهما يدلان على حدوث تحولات اجتماعية في تأليف الناس لمعيشهم اليومي وللطريقة التي يستثمرون من خلال مكان الدار ذاكرتهم الفردية العائليّة والجماعيّة.

2 Berque, J., Médinas, ville neuves et bidonvilles, dans « les Cahiers de Tunisie », n°21-22, 1er et (...)
3وسنركز خلال إدراكنا وفحصنا وتفكيكنا للإشكالية على تحقيب المراحل التي مرّت بها الدار داخل مدينة نواة هي المهدية التي تنتمي إلى طائفة العواصم المنكوبة أو المدن التاريخية أو المدن الذاكرة villes mémoires التي تتماهى اليوم أكثر مع شكل أو بنية الحيle quartier أو المقطع المديني morceau de ville والتي ولّدت بفعل الهيمنة الاستعمارية التي عرفتها بلدان المغرب العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر سيرورة تطور حضريّة "مرضيّة" يلخصها "جاك بيرك" في المثلث الشهير مدن عتيقة تتعايش وربما تتعارض مع مدن جديدة أو أوربية أو حديثة وهذا الشرخ أفرز مدن فوضوية أو قصديرية يحلو للبعض بتسميتها بالمدن المضادة2.

4وسأحاول أن أبيّن أن مدينة المهدية تمثل حالة خاصة وتطرح بنيتها المورفولوجية وما تفرزه من علاقات وروابط اجتماعية مدارات معرفية غير مألوفة وقع أما تجاهلها من طرف الباحثين وخبراء التصميم والتهيئة أو لم يقع التفطن إليها.

5وسأنطلق من ذاكرتي الشخصية وسأحاول أن أستقرئ و أن أسائل البعض من ذكريات الطفولة التي قضيتها في مدينة المهدية النواة التي تسمّى عند عامّة الناس ب"برج الرأس" le rempart de la tête كناية على موقعها الجغرافي قرب البرج العثماني وفي مستوى مرتفع في المدينة، وأيضا كإشارة لعمقها الروحي والوجداني فهي مثل الرأس في البدن. مدينة ولدت بها وترعرعت بين أزقتها ودروبها وعشت جانبا من حياتي في ديارها. وهذه المعاشرة والمعايشة تجرني إلى اختيار مقاربة كيفية وإلى تغليب نهج السيرة الحياتية.

6وهذا الاختيار بما يحمله من مخاطر ومتاهات السقوط في النظرة المحلية الضيقة le localisme الذاتية يحتّم علينا الالتزام بمنظار الموضوعاتية بالمشاركة objectivation participante والذي يفرض إجهادا يمارسه الباحث على نفسه يستثمر فيه موقعه المتميّز في نسج الظاهرة مقلّلا في ذات الوقت من سلبيات المشاركة ومضخّما ما تفترضه وضعية الملاحظة من تنقيب وتحرّي وحفر في المعلومات والبيانات والشواهد الحياتية والمعاينات اليومية.

7وسنطلق من معطى ميداني يشاهد اليوم في مدينة المهدية يتمثل في الحركية أو الديناميكية الجديدة التي تعيشها والتي أثّرت من جملة أسباب أخرى سنعود إليها لاحقا في تلك المعاملات والتفاعلات التي تخص ديارها ونقصد استقطاب بيوت المدينة لمتساكنين جدد ذوي دخل مرتفع جلبتهم مقاصد وغايات متنوعة للسكن من جديد في المدينة "العتيقة" و عمليات بيع وشراء وارتفاع مهمّ للقيمة الكرائيّة لهذه الديار لا يتناسب مع شكلها ومساحتها وموقعها وتزامنا مع هذه الحركية التي تشاهد وترى نستمع إلى صدى خطاب قلق يتحدث فيه أصحابه عن "موت المدينة" أو نهايتها وتحولها إلى فضاء هجين مشوه مخضرم. تصورات و تمثلات أيديولوجية تستند إلى نظرة يكتنفها التردد والتشاؤم والغموض ومردّها تحوّلات سريعة يستحسن الوقوف عند مداها وتأثيراتها على الأفراد والمجموعات الاجتماعية. وفي مقابل هذا نعثر في الوثائق التي وجدناها في دفاتر البلدية و"جمعية صيانة المدينة بالمهدية" على ما يدلّ على اهتمام متزايد بدءا من سنة 1998 للمتدخلين الأجانب من مموّلين وهياكل أممية وباحثين أجانب بفضاء المدينة "العتيقة" وبديارها بالخصوص مما يعبّر عن انتهاء عهد نظرة مهمٌشة محقٌرة لفضاء المدينة سادت لفترة طويلة تخللتها صحوة مفاجئة وقعت في منتصف سبعينات القرن العشرين ونجد لها آثارا لا فقط في مدينة المهدية بل في كامل المدن التاريخية للمغرب العربي. فبعد سبات طويل تتعالى اليوم أصوات من هنا وهناك تدعو إلى "تهذيب" و "صيانة" هذه المدن واستثمارها استثمارا جديدا يجعل منها فضاء عيش كريم ويفتح آفاقا جديدة للسياحة الثقافية ويمنح لمتساكنيها إمكانيات لتحسين مستوى عيشهم ويكسبهم عادات جديدة تؤهلهم لذهنية المواطنة.

8سنحاول استنطاق الظروف التي ولّدت مثل هذا الخطاب وتحليل آثاره المحتملة على حاضر المدينة ومستقبلها والتعرف على حامليه ومقاصدهم واستراتيجياتهم.

9و لسائل أن يسأل عن أسباب اختيارنا للدار كوحدة معاينة و مقياس ملاحظة وتفكير في إشكالية المدن النواة وصيرورة تطورها وتفاعلها مع مظاهر قطيعة تارة وطورا مع مؤشرات استمرارية وتواصل وأشكال تصدّ formes de résistances و مقاومة، سنحاول في هذا البحث المتواضع رصدها وجمعها وتقصي تبعاتها وتأثيرها على الأفراد والعائلات و متساكني المدينة والفاعلين المتدخلين في مجالها وترابها بدءا بالمؤسسة البلدية و وصولا إلى النسيج الجمعياتي.

10الدار وعاء للذاكرة وفضاء عيش ومعبر للحياة العامة، تدور في فلك متناقضات مولدة للحياة في نظام المجتمع وللرابطة الاجتماعية فهي ضيق واتساع، فراغ وعمران، ضمّ وإبعاد، إدماج وإقصاء، منها نرصد تحوّلات المجتمع في الروابط التي ينسجها مع الفضاءات المحيطة به.

1. الدار في الأدبيات السوسيولوجية و الأنثروبولوجية
3 أنظر في:
Thiessan, X., Les manières d’habiter dans le Sahel tunisien, Paris, CNRS, 1981
4 Bourdieu, P., La maison Kabyle ou le monde renversé, dans, Le sens pratique, Paris, Minuit, 1980.
5 Simmel, G., La tragédie de la culture, Paris, Petite Bibliothèque Rivages, 1988.
Cf aussi, Milliti, (...)
6 Levi-Strauss, C., La notion de maison, dans, Terrain, pp 34-39.
7 Hénia, A., Représentations sociales de la richesse et de la pauvreté à Tunis aux XVIIIe et XIXe siè (...)
11نهتم بالدار أساسا من زاوية أنثربولوجية سوسيولوجية تنتبه إلى الفضاء كموّلد لعلاقات وتفاعلات وسند من سندات ذاكرة الفرد وذاكرة العائلة وذاكرة المدينة، فهي قبل أن تكون أعمدة وجدران وسقف وأبواب ونوافذ وأثاث هي فضاء عيش تتمحور حوله تصورات و تمثّلات وهواجس وتنتظم من حوله ثنائيات وأقطاب متضادة متنافرة أمكنة عليا وأخرى سفلى انفتاح وانغلاق أنوار وظلال طقوس، ضيافة وذهنية ريبة من الآخر، ليل ونهار، فضاءات للرجال وأخرى للنساء3 ثنائيات دفعت ب"بورديو" إلى القول أن الدار في جهة "القبائل" الجزائرية مثلت عالما مقلوبا على رأسهun monde renversé بحيث أن مكوّناتها المورفولوجية وعلاقاتها الإنسانية مركبة بطريقة يواجه بها متساكني الدار العام الخارجي الذي يحيط بعالم الدار الضيق4 والدار مسكونة بمخزون روحي ومعنوي وأحاسيس ومشاعر فردية وجماعية لا يمكن للباحث أن يتجاهلها أو أن يطمس معالمها في مسار عقلنته وإدراكه للفضاء المادي للدار. ويعود الفضل إلى "زيمل" Simmel الذي نبه إلى ضرورة تضخيم جانب الدلالات المعنوية التي تتضمنها البناءات والأنساق المادية5 وفضلا عن هذا فإن الدار تحتضن تراثا ماديا ومخزونا "لاماديا" حسب ليفي ستروس6 و تؤسّس للهويّة الفرديّة والجماعيّة أو تلبّي رغبة أفراد وجماعات هوياتها ذابلة وواهنةaux identités nonchalantes . والدار في المدينة تعتبر من شروط الحصول على نعت "البلدي" أو الحضري فضياع الدار هو بمثابة ضياع الانتساب الحضري، والحضري عموما أو رجل المدينة هو أساسا شخص مالك لدار ولحانوت أو لأشجار زياتين ولمكان في مقبرة المدينة7.

12والدار من جهة أخرى ترشدنا إلى الطريقة التي تنتظم بها العلاقات العائلية وتواصلها في الزمان والمكان وتطلعنا على استراتيجيات الأفراد في التداول والتوارث الاجتماعي وتكشف لنا الآليات التي يبني بها الأفراد تأليفات قابلة للتغير بين التقاليد الموروثة والحداثة وبين مجال الحياة الخاصة والحياة العامة.

2. المنهجية والفرضيات
13سنسعى في هذا البحث إلى دراسة موقع الديار في المدينة النواة بالمهدية مورفولوجيا واجتماعيا وعلاقتها بمجال المدينة ومكوّنات نسيجها الحضري، وسنحاول تحقيب التحولات التي مرّت بها ديار المهدية تاريخيا بدءا من المرحلة الاستعمارية ثم سنحاول الحديث عن دلالات الدار ومنظومتها الرمزية التي تحمل تصورات و تمثلات وشعائر مألوفة تساهم بدرجة أو أخرى في بناء المعيش اليومي وفي هندسة العلاقات الاجتماعية ويؤثث لتفاعلات المجموعات العائلية ضمن العالم الداخلي للدار. وسننطلق أساسا من ذكريات وتجارب شخصيّة نحملها عن ديار المهدية التي طبعت طفولتنا عملا بمبدأ أرسطو الذي نادى بضرورة منهج الحميمية empathie’l في تقصّينا للظواهر الإنسانية عملا بمقولة "إبدأ بنفسك قبل أن تعرف الآخرين".

14وفي مرحلة ثالثة سنقدم بعض المقابلات شبه المقنّنة قمنا بها مع بعض الأسر التي تقيم حاليا بالمدينة العتيقة أو التي أقامت بها سابقا وتهدف هذه المحاورات أساسا للتعرف على:

الهوية الاجتماعية لسكّان هذه الديار، تنقلاتهم في فضاء المدينة وخارجها والطريقة التي تصبح بها الدار أداة ضمّ أو تفرقة للعائلات وموضوع توارث وإعادة إنتاج اجتماعي.

التغيرات التي طرأت على الدار مع محاولة تأريخ مراحل التحسين والتوسعة والصيانة وإعادة التهيئة.

تصورات و ثمثلات السكان الحاليين أو السكان الذين غادروا المدينة "العتيقة" لفضاء الدار ومحيطها والنعوت والكلمات التي يصفون بها محتوياتها وأثاثها وماذا عن تشبثهم بالإقامة داخلها.

أسباب الحركية الجديدة المتمثلة في بيع الديار و اشترائها من طرف فئات مرفهة.

15كما تهدف هذه المقابلات إلى التحقّق من الفرضيات التالية:

من المحتمل أن يكون "بحارة" المدينة أكثر ارتباطا وأكثر تشبثا بالسكن في ديار المدينة "العتيقة" من الفئات المتوسطة الدخل وعائلات الوجهاء والأعيان والإطارات.

من المحتمل أن يكون الحرفيون والموظفون أكثر مغادرة للمدينة.

من المحتمل أن يكون أبناء الفئات المرفهة والعائلات الميسورة أقل تعلقا بالسكن داخل الديار "التقليدية" للمدينة وأكثر تفضيلا للسكن في ديار من طراز أوروبي.

من المحتمل أن يتنازل الأخوة للأخ الأصغر عن حق ورث الدار في حال اقتسامها.

كلّما كان الوالدان على قيد الحياة وخصوصا الأم كلما تماسكت الأسرة وحافظت على وحدتها حول فضاء الدار.

من المحتمل أن الدافع لاقتناء ديار داخل المدينة "العتيقة" يتمثل في البحث عن الهدوء والبساطة والحنين إلى زمن غابر والهروب من "حداثة" فاقدة للمعنى وقائمة على المادة والمنفعة والزيف و الفردانية.

3. النمط النموذجي لديار المهدية داخل المدينة "العتيقة"
8 Cf, L’article Al Maydiyya, F., Dechraoui, dans, L’encyclopédie de l’Islam, p 1236.
16تعدّ مدينة المهدية التي أسسها سنة 910 ميلادية الداعي الشيعي عبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطمية من أعرق المدن الإسلامية في المغرب العربي بعد القيروان. والمهدية تشغل مكانا منزويا منغلقا على نفسه فهي تتمثل في شبه جزيرة وقع اختيارها من جهة للابتعاد عن تمرد القبائل البربرية وعن القيروان ذات الأغلبية السنيّة و للتحصّن بالبحر لصدّ الهجومات الآتية من الشرق والغرب وجلب التموينات عن طريق البحر كلما سدت السبل البرية. و المهدية تصنف ضمن المدن المستحدثة أو المدن المحصنة التي وقع اختيارها لا لأنها مؤهلة للتوسّع العمراني ولخصب الأراضي المحيطة بها وتوفر المياه العذبة و مقالع الحجارة بها، وإنّما لأنها تحتل موقعا جغرافيا متميزا يساعدها لأن تصبح مدينة مهابة وقلعة ممانعة ومدافعة وحماية وهذا ما وقع بالفعل حيث وصفت في مصادر الفترة الوسيطة بالمدينة الذكر La ville mâle وكانت تسمّى بإفريقياAfrica ، ولقد عرفت تاريخا متقلبا مرت فيه بفترات ازدهار و عمران وفترات خراب ودمار تعقبها فترات إعادة تعمير. وارتبطت المدينة النواة بأرباضها واضطرت للتعايش مع محيطها القروي والريفي الذي ساعدها على مقاومة أعمال التدمير والنهب والسلب التي كانت تتعرض له بفعل الهجومات القادمة من البحر والبر وخصوصا خلال الصراع الأسباني التركي على البحر الأبيض المتوسط الذي أفضى إلى تدمير حصونها من طرف شارل الخامس Charles Quint وفرسانه سنة 1550، والذي احتل المدينة بجيش قادة الأميرال "أندري دوريا"8 بعد حصار طويل ودمر حصونها وأبراجها وقلاعها وحطّم بذلك الأسطورة الدفاعية للمهدية ثم أمر سنة 1594 بإضرام النار فيها وإحراق جامعها، فحلّ بها الخراب حيث أضحت تسمّى"بمدينة الفئران" ولم تتمكّن المهدية في العهديّن المرادي والحسيني من استعادة مكانتها وبدأ دورها يتقلص أمام مدن مثل المنستير وسوسة وصفاقس.

17وأثناء الحكم الفاطمي كانت المدينة أساسا مدينة أميريّة ومركزا لتموين الجند وتمويله تقوم على ثلاثية القصر والجامع والسوق ولم تكن فضاءا للسكن والسكنى للعوّام الذين كانوا يقطنون بأرباض المدينة وأساسا بربض زويلة وحيث لا يفكّرون في مداهمة المدينة نهارا لأنهم سيخافون على أولادهم ونسائهم من بطش جند الدولة الفاطمية وليلا لأنهم سيخافون على أموالهم وأرزاقهم التي كان يحويها سوق المدينة.

9 وصفها جيفي سنة 1881 بمدينة الأموات حيث ذهل بموقع ووزن المقبرة داخل المدينة ونعتها "غاستون فوليي" س (...)
18تمسح المدينة "العتيقة" اليوم تقريبا 376670 م‌‌‌‌‌2 وتقدر المساحة المبنية بما يقارب 13916 م2أي ما يناهز 30 بالمائة من مجموع المساحة الجمليّة وتحتلّ المقبرة فضاء الأموات9 تقريبا 18 بالمائة من مساحتها الجملية بمساحة تقدر ب 69260 م2وهو ما يبين مكانة المقبرة البحرية في النسيج العمراني للمدينة حيث مثّل البحر قديما وحديثا حلقة وصل مع الآخر ومعبرا نحو الحضارات الأخرى وممرّا للسلع والبضائع والتقنيات والأفكار والأحاسيس المتناقضة وملاذا للنساء (حيث يقصدن قديما البحر ليلا للترويح عن النفس ونهارا لغسل الأدباش والصوف) وللأطفال أين يجدون متسعا للعب والمرح وممارسة نشاط الصيد بالصنارة وشباك "الطراحة" وموردا للرجال وخاصة للبحارة ومكانا لجلب الزوار الجانب والسياح الذين ذهب بهم أمر عشق رؤية البحر إلى شراء دار داخل المدينة "العتيقة" وخاصة على الواجهة المحاذية للبحر ونقصد الواجهة الغربية وفي اصطلاح المهدويين ينعت ب"بحر الجبلي".

10 يجب البحث عن الأصل الإيثيمولوجي للكلمة وعن اشتقاقها بهذا النعت في اللهجة الدارجة والرموز والمعاني ا (...)
19تتركب المدينة الممتدّة من "السقيفة الكحلاء"10 أو باب الفتوح أو باب زويلة إلى برج الرأس ومنه إلى رأس أفريقيا من ثلاث مناطق رئيسية تحتل فيها الوظيفة السكنية دورا ثانويّا :

المنطقة القديمة وهي سكنية تجارية مع وجود بعض الأنشطة الاجتماعية والدينية والترفيهية (مقاهي سياحية بالأساس) والخدمات (مكتب بريد، قسم إرشاد سياحي، متحف جهوي يحتل البناية القديمة لمبنى البلدية التي شيّدته سلطة الحماية بعد 1888، مكاتب العدول...).

منطقة المنار وهي أثرية وتقع على امتداد رقعة المقبرة.

منطقة المقبرة وهي المنطقة الواقعة على الساحل الجنوبي ونجد بها الجامع الكبير الذي رمم سنة 1966 وهدم كل من حوله والبرج العثماني والميناء القديم المحفور في الصخور والذي تعود إلى العهد البونيقي.

20وبذلك يمثل مقدار المساحة المستعملة للسكن 48226 م2 من مجموع المساحة المبنية أي ما يعادل 42 بالمائة ممّا شكل ضعف الرصيد العقاري وازدحام المساكن عاملا حاسما في دفع السكان إلى السكن خارج المدينة النواة، ولكن رغم هذا فإنها تحتل موقعا مركزيا في تصورات وممارسات المهدويين في علاقتهم بمدينتهم بحكم:

وجود الجامع الكبير وعديد الزوايا وخاصة زاوية سيدي جابر الولي الصالح حارس المدينة والمزارات والمقبرة وانتساب أغلب العائلات إلى "برج الرأس" من قريب أو من بعيد وما يوفّره الفضاء من اشباعات روحانية ووجدانية لمتساكنيه والوافدين عليه، فهو يرسخ لحظة من لحظات التجلي مع الخالق والمصالحة مع الذاكرة في مدينة تشهد اليوم نسقا سريعا من تحولات بنيوية تهدّد توازناتها الاجتماعيّة.

رواج أسطورة تأسيس مفادها أن صفة ساكن المهدية ذو الأصل المهدوي لا تنطبق إلا مع من سكن في "برج الرأس" وهنا نلاحظ أن الفضاء شكل عاملا مؤسسا للهوية ومكانا للذاكرة الجماعية un lieu de mémoire التي يحملها "المهدويون" عن مدينتهم.

21وبفعل ضيق المساحة المسكونة تصل الكثافة السكانية إلى أعلى مستوياتها في المدينة بما قدر ب2000 نسمة في الهكتار الواحد في المنطقة السكنية الواقعة بين نهج سيدي جابر ونهج الحاج محمد عبد السلام وتنزل الكثافة إلى أدنى مستوياتها بين 107 و 210 نسمة في الهكتار ( وهي نسبة مؤهلة إلى الانخفاض أكثر بفعل وفاة مسنّين العائلات الميسورة وتفضيل أبناءهم وذويهم السكن خارج المدينة) عند الاقتراب من الجامع ومن مساكن وديار و"دريبات" العائلات الميسورة (الحمزاوات و بن رمضان) وتمثل هده المنطقة 32 بالمائة من المساحة الجملية وهي نسبة لا يستهان بها.

11 الباهي، (محمد)، من مناهج البحث في التنظيم العمراني الإسلامي، في " مجتمع وعمران"، العدد الأول، جانفي (...)
22ويدل الكشف الشامل الذي أنجزته "جمعية صيانة مدينة المهدية" سنة 197511 في فترة كثر فيها الاهتمام ب"صيانة" المدن التاريخية محليا ودوليا أن ثلث الديار توجد في حالة سيئة ولا تعد البناءات الحسنة سوى 18 بالمائة بينما نلاحظ اليوم أن نسبة الديار السيئة تناقصت بشكل ملحوظ وتزايدت في مقابل هذا نسبة البناءات الحسنة وذلك على إثر تحسّن دخل متساكني المدينة وتأثير عائدات الهجرة الخارجية وخاصة إلى إيطاليا وسهولة الحصول على قرض تحسين المسكن أو قرض سكني طويل المدى لبناء مسكن أو طابق علوي.

23ويتكون النموذج السائد للدار في المدينة "العتيقة" والتي تمثل اليوم مخبرا لتلاقي أنمطة معمارية متنوعة تصل إلى التضارب والتذبذب والتردّد بين مرجعيات عديدة تكشف عن أزمة هوية معمارية حيث يلتقي المعمار التقليدي الذي مازال محافظا على البعض من صفاته مع المعمار الوافد والدخيل فيمتزج الأسمنت بالـ"الجير العربي" والزجاج بالسيراميك والحجارة السميكة بالأجر وتبدّل شكل الأبواب والنوافذ وأحجامها وموقعها في الدار وظهرت في المدينة منازل حديثة لا تمت بصلة إلى المعمار "التقليدي" وتبدلت أشكال تأثيث البيت.

24لنعد إلى النموذج المألوف في ديار المهدية الذي يتكوّن عادة من:

باب وسقيفة داخلية وأخرى خارجية وهي عبارة عن مدخل يخصّص لاستقبال الضيوف وعزل الفضاء المنزلي عن الأنظار ويكون وموازيا أو بعيدا عن باب الدار وذلك حتى لا يرى الزائر تحرّكات النساء.

فناء أو "وسط الدار" وفيه تجتمع العائلة للسهرات في الصيف وتستعمله ربة البيت لقضاء بعض شؤون البيت من غسيل وإعداد للعولة و مؤونة وذخر العائلة.

المجلس أو بيت الجلوس يشرف عادة على وسط الدار وفيه يستقبل الأقارب ويخصص لتناول الطعام وعقد السهرات في الشتاء.

بيوت للنوم وتحتوي على "سدة" أو "دكانة" ذات واجهة منحوتة من خشب مذهب أو "مقصورة" وهي عبارة عن غرف تستعمل للانزواء.

بيت المطبخ وتسمى "النوالة" وتحتوي على" ماجل" تحفظ فيه مياه الأمطار وبئر يحفر في مستوى المائدة السطحية ليستخرج منه ماء يخصّص لغسل الأواني وتنظيف البيت والوضوء وتبريد بعض الغلال في الصيف وفي بعض البيوت نجد الفناء والمطبخ فناءا صغيرا يسمى "الدويرة" وفيه تقوم النسوة فيه ببعض الشؤون المنزلية الخاصة.

بيت خزين لخزن العولة والذخر من زيت وتوابل وموالح ومستخرجات القمح والشعير وغلال وخضر مجفّفة...الخ.

مقصورة لحفظ الأدباش أو شباك الصيد وفي بعض البيوت كانت توجد عند بعض العائلات التي كانت تزاول النشاط الفلاحي ولا شيء غيره "زريبة" وهي عبارة عن مربض للحيوانات من دواجن وجمال وبغال وحمير تستعمل للتنقّل إلى مزارع الفلاحين التي تقع بعيدا في تخوم المدينة وأرباضها ومجالها الريفي وأبقار تربّى لاستغلال حليبها.

12 Cantelli, M., Essai de la typologie dans la Médina de Tunis, Tunis : ASM, 1969.
13 لاحظت الباحثة "جميلة بينوس" نفس الخاصية بالنسبة لمدينة الحمامات التاريخية.
Binous, J., La structure (...)
25إن هذا النموذج السائد لا يمنعنا من القول أنّه يمثل ديار الفئات الوسطى التي لا تتجاوز مساحتها 90 م2، ويعدّ الأكثر انتشارا داخل "برج الرأس" التي تمتد على مساحة لا تتجاوز 25 هكتارا ولكن تعرف تنوعا، مثلها مثل المدن "التاريخية" التونسية كتونس الحاضرة والقيروان وبنزرت والحمامات وسوسة، في نمط الديار الرائج حيث نجد تمثيلا لها في النمذجة التي أقترحها "ماريلو قانتلي" بالنسبة إلى مدينة تونس الذي عدد خمسة أنماط للمسكن : القصر، الدار الكبرى أو بيت آل فلان، الدار"البورجوازية" الدار ثم البيت المتواضع12. و يبدو أن غالبية ديار "برج الرأس" تنتمي إلى هذين الصنفين الأخيرين.13

4. ديار "برج الرأس" من مدار الذكريات الشخصية لطفولتي
26تشكل الدار، كما قلنا سابقا، محرّضا على التذكّر و سأحاول أن انطلق من ذكريات طفولتي لأصف أجواء ديار المدينة العتيقة كما عشتها مجيبا في ذات الوقت عن مطارحات قيلت في علاقة الدار بالفضاء الخارجي والتي تصف بعضها الدار في المدن التقليدية الإسلامية بالفضاء المنغلق على نفسه والذي يدير بظهره إلى الفضاء العام.

14 يقول مصطفى، الفارسي في "سلسلة من ذهب" " هي صورة حيّة لقصة واقعيّة، قصة نساء المهدية اللائي رهنّ حلي(...)
27كنت أتنقل في طفولتي (أواخر ستينات وأوائل سبعينات القرن العشرين) بين دارين دار جدي الأبوي الواقعة خارج أسوار المدينة في منطقة تعرف بالرمل ودار جدي الأمومي الواقعة في حومة أو حارة "البحٌارة" على مشارف مقبرة المدينة الذي كانت تشكل لنا نحن الأطفال فضاء رحبا لممارسة ألعابا عديدة لا نعرف معناها في ذلك الوقت ومنها إضرام النار للاحتفال ب"عاشوراء" وصنع زوارق صغيرة فهمت من بعد عند قراءتي لأقصوصة الأديب التونسي مصطفى الفارسي14 أنها كانت دعوة ضمنيّة يوجّهها الأطفال لآبائهم البحارّة لإقناعهم بالبقاء والتشبث بالمكان وعدم الرحيل في فترة كان فيه حلم الهجرة إلى أوروبا يراود الكثيرين من سكان المدينة أملا في تحقيق الأماني وتحسين المستوى المادي لأسرهم وربما يفسر صنع الزوارق برغبة الأبناء تعويض آبائهم عن الحرمان وعدم امتلاك زوارق صيد في الأعماق خصوصا بعد تراجع محاصيل الصيد الساحلي بحكم الاستنزاف الأقصى الذي تعرضت له موارد البحر بحكم كثرة الاستغلال والضرر الحاصل للبحر من جرّاء الصيد الجائر لسفن صيد الأعماق المعروفة في اللغة العامية ب"الكركارة". كما أتذكر أننا كنا ندخل ديار الجيران والأقارب بدون تكلّف ناهيك وأن أبوابها كانت مفتوحة على مصراعيها كما كنّا نقضي كامل الوقت في اللعب وجر الماء الشروب من حنفية المدينة الواقعة قرب البرج العثماني في عربات مجرورة كنا نتسابق في ابتكارها والتباهي بها.

28الذكريات تحملني إلى أجواء الدار دار "الونس'' و"السترة" و "العمار"والعتبة إلى عالم المرأة بالأساس وقديما يقول "المهدوي" "نواسي وعتب وشويّة من الذريّة" Femmes, seuils et un peu de progéniture، فالدار يملأ فراغها من ربة البيت، فقديما عندما يتحدث الرجل عن زوجته أم عياله لا يشير"لغريب" عن العائلة إليها باسمها لأن الاسم قد يبدو في تلك الفترة عورة بل يقول عنها أنّها الدار. وهنا أتذكّر أن جدّتي لم تكن الوحيدة في المدينة التي تشرف على كل ما يخصّ الدار فجدي، مثله مثل باقي الرجال، كان يتنازل لها عن كل شيء ويسلّمها المال متخلّصا بذلك من عناء الذهاب إلى السوق الأسبوعية وشراء كل ما يلزم الدار من خضر وغلال وأثاث ومفروش وكانت في كثير من الأحيان تصطحبني معها عنوة وتجبرني علي الاستيقاظ باكرا رغم أنها كانت تعاملني بكثير من الدلال ونوعا من الحيف مقارنة بأخواتي البنات وأخي الأصغر.

29الرجل أو الذكر لا يتواجد في الدار إلا للنوم والاستراحة أو للغذاء ويخلّد المثل الدارج "راجل في الدار يعمل الكدار" قيمة أن حمى المرأة هو دارها وأن الرجل يستمد كيانه الاجتماعي من الفضاءات الخارجة عن الدار من فضاء العمل وقديما يقال في المهدية عن رجل خرج للعمل "فلان سرح" وجد ضالته وراحته في التوجه لعمله ومغادرة الدار حمى المرأة أو" فلان صوّب" نزل إلى وسط المدينة أي ربما وجد صوابه في التوجه إلى الأماكن العمومية وترك الفضاء الخاص للنساء.

30الصورة التي بقيت عالقة في الذاكرة عن الدار هو اتساع ورحابة "افتراضية" virtuelle في العلاقات بين أفراد العائلة المقيمين في الدار مقابل ضيق مادي للدار فمساحة دار جدي لا تتجاوز 60 متر مربع ورغم هذا لم نكن نشعر بالانزعاج من تواجد أكثر من سبعة أنفار بالدار، فلا فضاءات خاصة للصغار وأخرى للكبار، وفي مناسبات عديدة كنا نتنقل أنا وأخوالي الخمسة بين دارين دار جدي ودار جارة جدتي التي كانت لا تأتي إلى المهدية إلا في مناسبات قليلة حيث كانت تقيم بجانب أبنائها في العاصمة وتخشى أن تصيب دارها أذى أو عين شريرة من تركها فارغة. كما أن "وسط الدار" كان يخصّص لكل الأنشطة من أكل وغسل أدباش وطهي طعام وتبادل للنكت والملح وسهر حول برامج الإذاعة التونسية حيث الجميع كان ينتظر حكايات "العروي" والمسلسل الإذاعي الشهير الذي كان يذاع أسبوعيا "صور من الحياة". حياة بسيطة تقوم على التشابه والتكرار وأتذكر في طفولتي رائحة طعام العائلة المهدوية في "برج الرأس" التي تفوح من الديار لتملأ الأزقة والدروب طعام "الشكشوكة" أي طبيخ بسيط مادته الطماطم والفلفل يقع إعداده مع السمك الأزرق المقلي، تشابه في نمط العيش يرشدنا إلى اقتصاد الندرة والكفاف للأسرة المهدويّة وخوف متأصل في الذاكرة الجماعيّة من الفقر والمجاعة والخصاصة ناهيك أن أثرياء المدينة معروفون ببخلهم ومغالاتهم في المحافظة على ثروتهم خوفا من غد لا تحمد عقباه.

31وهذا يدلّ على أن العائلات في "برج الرأس" تؤلف بينها روابط عشائرية تقوم على هيمنة علاقات القرابة وعلى تشابه في نمط العيش وعلى تداخل بين فضاءات الديار والفضاء العمومي فضاء "الحومة" التي يحرسها شبابها من كل متطفل حتى من "حومة" أخرى داخل "برج الرأس". و في هذا الباب تحملني الذكريات لتلك العادات الحميدة التي كانت تربط، وربما لا زالت، بين العائلات والمتمثلة في تبادل الأطعمة والمحاصيل فالبحار يهدي للفلاح جانبا من خيرات البحر التي حملها معه والفلاح بدوره يقدّم له البعض من الغلال الموسميّة وتناقل الأخبار التي تنقلب في بعض الأحيان إلى حديث في أعراض "الناس" وتشفّ من مصائبهم.

15 Bouhdiba, A., Chevalier, D., (Sous la direction de), La ville arabe dans l’islam, Paris, CERES, CNR (...)
32حياة عشائرية ملؤها التكرار والتشابه والتماثل بين الفرد والجماعة وديار تركّب "الزمان" وتفعل فيه حسب مشيئتها وليس العكس15.

16 يذهب صديقنا "عادل بالكحلة" في دراسته المونوغرافية عن طبلبة في نفس المنحى وخاصة عندما يتحدث عن تشكل (...)
33إن الانطلاق من مدار الذات، رغم ما يحيط به من محاذير منهجية يجب التفطن إليها ومن بينها الغرق في الحميميّة والبيانات الجزئيّة والمجزأة للواقع، لا يمنعنا من القول أن فضاء الدار كما عشته ربما وكما عاشه أغلب متساكني "برج الرأس" لم يكن عالما متقوقعا على ذاته متصديا للعالم الخارجي16 بل شكّل فضاء "الحومة" حمى الجيران والأقارب "وأبناء البلد" امتدادا لفضاء الدار رغم وجود حواجز وحدود "العتبة" le seuil و السقيفة الخارجية والسقيفة الداخلية التي كانت تخضع إلى جدلية انفتاح وانغلاق بحسب هويّة المقتحم لفضاء الدار ونوعية الصلة الاجتماعية التي تربطه بمتساكني الدار، فضمن التصنيفات المألوفة التي تؤثر على تأثيث الفضاء من نوع التقسيم على أساس التمايز بين الرجال والنساء والأقارب المقرّبين والأقارب الأباعد تنضاف تصنيفات أخرى من نوع "ولد الحومة" وشخص آخر من حومة أخرى "ولد البلاد" و"برانّي" هويات تبنى ويعاد بناؤها حسب مقتضيات الظرفية والمكانة الاجتماعية للفرد الاجتماعي، والخلفية التي تقف وراء إعلان الهوية أو إخفائها قبول الآخر تارة، ورفضه أو تجاهله طورا.

17 Gherardi, Sophie, dedans/ dehors, dans « de toit à moi : mille et une façon d’habiter, dans « Cour (...)
34وأتاحت لنا عمليّة التذكر تبيّن مدى ارتباط الذكريات الذاتيّة والشخصيّة بالذكريات الجماعيّة التي تشكل متن ذاكرة جماعيّة تتأسس في تفاعل حركي مع متغيّرات الزمان ومؤثّرات المكان، والدار بصفتها مجالا يروي سيرة فرد وقصة عائلة وقصة مدينة أحسن من مقالات مطوّلة ووثائق مخطوطة17 تعبّر عن عمليات تثاقف وتصدّ ومقاومة وتأقلم تسارع نسقها قبيل فترة الحماية وأثناءها وبعدها إلى حين الواقع التي لاحظناها مؤخرا أثناء قيامنا بالبحث الميداني.ولا أخفي على القارئ أن هذه الذكريات الشخصية متأثرة بحاضر نعيش فيه ويجبرنا أحيانا على وضع الذكريات في خانة الحنين إلى زمن غابر وهمي وطوباوي مفتعل مرتبك ويحيط به الضباب والغموض من كل جانب، وهذا الإحساس بعدم اكتمال البعد الذاتي والذي تحوّل إلى قناعة أجبرتنا على اللجوء إلى وثائق الأرشيف أرشيف الإقامة الفرنسية وأرشيف وزارة الخارجية بالأساس ونخصّ منها مراسلات "قنصل فرنسا" أرنو Arnaud في فترة ما قبل الحماية والمراقبين المدنيين الذين دوّنوا جوانب من الحياة اليوميّة لمتساكني المدينة، دون أن ننسى محاضر جلسات المجلس البلدي بالمهدية التي تشكّل كنزا ثمينا ومستودعا لذاكرة المدينة ومعينا للباحث.

35ونظرا لضيق المجال سنكتفي ببعض الإشارات التي تبيّن مدى ارتباط مسألة حواجز الدار وحدودها: عالمها الداخلي وعالمها الخارجي، مجالها الخاص Intime ومجالها العمومي Public بملابسات وحيثيات الظرفية التاريخية.

5. الديار وذاكرة المدينة
18 استعملنا المصادر التالية:
- Archives du Protectorat français en Tunisie, Archives de Nantes, Tunisie (...)
19 حسب تقرير جيفي
20 Hamza, H.R., Les pécheurs saisonniers italiens à Mahdia (1871- 1945), dans « A.A.N. », tome XXX, 19 (...)
36تحمل لنا الوثائق الأرشيفية المتوفرة18 عن فترة ما قبل الحماية صورة عن مدينة تمرّ في مجالها الفضائي والاجتماعي بتحوّلات متسارعة و هامّة. ففي منتصف القرن التاسع عشر تزايد تدفق الجاليات الأوروبيّة على المدينة ممّا يفسّر وجود ممثلين لقناصل لأربع بلدان هي فرنسا (بدأ العمل بها سنة 1826) وانجلترا وايطاليا والإمبراطورية النمساوية المجرية وحيث احتلت المهدية المرتبة الخامسة من ناحية تواجد الجالية الأوروبية وكذلك بعد تونس، صفاقس، حلق الوادي وسوسة19. ففي سنة 1883 وحسب تقرير "جيفي" تعدّ مدينة المهدية 7322 نسمة منهم 6340 مسلما و 175 يهوديا الذين تضاعف عددهم ليصل سنة 1905 إلى 500 نسمة و 803 أوروبيا هذا إلى جانب البحّارة الإيطاليين الذي كانوا يتوافدون على المهدية خلال موسم صيد السردين والذي كانوا بمثابة "الوسطاء الثقافيين" حسب نعت الباحث "محمد رؤوف حمزة" وهيأوا الأرضية لانفتاح المدينة على عالمها البحري ومجالها المتوسطي بعد فترات تقوقع عرفتها على إثر التنافس الحربي بين الإمبراطورية الإسبانية والإمبراطورية العثمانية على السيطرة على المتوسط وبداية الهيمنة التجارية والعسكرية والاقتصادية للضفة الشمالية للمتوسط وبالخصوص مدن "جنوة" و"بيزا " ومرسيليا والبندقية إلخ... كما ساهم هؤلاء البحارة الذين كانوا يعاملون أول الأمر بشيء من الاحتقار والازدراء وينعتون بالكفار المارقين في تحريك السواكن وفي تطبّع الأهالي بقيم جديدة فضلا عن اقتياد فئة من البحارة المهدويين إلى إيطاليا لتعلّم تقنيات الصيد في الأعماق وتصبير الأسماك20.

21 نفس المرجع
37وتعكس الوثائق الأرشيفية هذا التعايش الصعب بين الجاليات الأجنبية والأهالي أين نعثر في "الأرشيف الوطني" على وثائق تمثّل عرائض وشكاوى من الأهالي موجّهة إلى السلط المحليّة والجهويّة تتضمّن تذمّرا وتمرّدا على السلوكيات النابية للتجّار والأجانب وخصوصا البحّارة الذين يكسّرون أحيانا حاجز الميناء المحاصرين فيه ويقتحمون المدينة ويملئونها سبّا وشتما في الأهالي وتطاولا عليهم بسبب معاقرتهم للخمر وارتيادهم دور الخناء و البغاء21.

22 تعكس القضية التي رفعها التاجر "شايوليه" وشركائه الفلاحين الحاج أحمد وسليمان حمزة مثالا حيّا على انق (...)
23 Archives de Nantes, Tunisie 1er versement, carton 422 lettre adressée par Arnaud agent consulaire à (...)
24 نفس المصدر
25 رسالة وجهت بتاريخ 4 فيفري 1871.
38كما عكست وثائق أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية رؤية الأجانب المناوئين للسكان المحلييّن والذين دفعهم انقلاب ميزان القوى لفائدتهم ولفائدة الدول التي ينتمون إليها بفعل مديونيّة التجار وكبار الفلاحين المحلييّن من أمثال الحاج أحمد وسليمان حمزة22 إلى إعلان هيمنتهم على المدينة والتذمر من تطاول الأهالي عليهم والاعتداء عليهم وعلى ممتلكاتهم بالنهب والسرقة. وتصور لنا مراسلات قنصل فرنسا في فترة ستينات وسبعينـات القرن التاسع عشر "دومينـيك أرنـو" D. Arnaud أجواء مدينة تعيش على وقع الدسائس والمؤامرات ومحاولات القتل على وجهاء الجاليات الأجنبية من أمثال الإنجليزي "فيولينتي" Violente23 والفرنسي Joncquier24 وعلى شخص أرنو25 نفسه بالرغم من الحصانة التي يتمتّع بها.

26 نقلا عن الصغير (عميرة علية) : المهدية ومحيطها في السنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي من خلال تقارير (...)
39وتشير المصادر الأرشيفية إلى أن الجاليات الأجنبية سكنوا أول الأمر في ديار من جهة البحر غرب برج الرأس حذو العائلات من أمثال آل حمزة هذا إلى جانب اليهود الذين كانوا يتمركزون بالخصوص في فترة ما قبل الحماية في الجهة الشمالية من المدينة في جزء فيه الكثير من الحيطان الخربة حسب ما ورد في التقرير الاستخباري للرائد جيفي Juffé سنة 188326 مما يعكس وضعيتهم الرثّة في تلك الفترة ومع حلول الاستعمار المباشر، كما ركّز بعض التجّار الأجانب بعض النواتات الاقتصاديّة في المدينة كالمحلاّت والمخازن والمعصرة العصرية التي كان على ملك لونيس جونقييLonis Joncquier ومعمل صغير لإنتاج الصابون على ملك Costa .

40و يكون التقارب الذي حصل بين الجاليات الأجنبية والأهالي في فضاء المدينة "العتيقة" قد ساهم بصيغة أو بأخرى في نشوء روابط اجتماعية ظاهرها رفض متبادل وباطنها تلاقح و تثاقف وتفاعل، وانعكس هذا على هندسة فضاء الدار حين يسعى أثرياء المدينة شيئا فشيئا إلى "تقليد" الأوروبيين في طريقة تصميمهم للدار وتأثيثهم لها رغم أن هؤلاء كانوا يستغلون نفوذهم "الجديد" على المدينة بالقيام بأعمال تجسٌس وتلصٌص voyeurisme على ديار الأهالي وذلك بفتح النوافذ على منازل السكان المحلييّن المعروفين بتشبثهم بقيم "الحشمة" وإخفاء الحريم عن الأجنبي واحترام "حرمة" الدار. كما عمد السكان الأجانب إلى تدليس مقدّسات المدينة بفتح حانات ونوادي خاصة داخل حمى المدينة في بطحاء السوق المعروفة اليوم ببطحاء القاهرة التي تتوسطها مقهى "قمرة" ذات الأشجار والأعمدة الأربعة.

41ومنذ عشرينات القرن العشرين سعت الجاليات الأجنبية إلى تدعيم نفوذها داخل المدينة فأسّست العديد من الجمعيات والتعاونيات وشيدت فيلات ومساكن عصرية على الطراز المعماري الغربي خارج برج الرأس قرب الميناء التجاري وعلى ضفاف شاطئ "المرسى" قرب مقابرهم (مقابر اليهود والنصارى و المتجنّسين...) ومصالحهم الاقتصادية (تجارة الزيت والفاتورة، الملاّحة ومعامل تصبير الأسماك...) فخلقوا لدى أثرياء المدينة وأعيانها الرغبة في تقليدهم أو مزاحمتهم وذلك ببناء ديار ثانوية على نفس الطراز المعماري وتأسيس جمعيات ثقافية من نوع "نادي التعاون"، مدينة "جديدة" أوروبية المعمار تتوفر فيها المرافق من مدارس وإدارة ومكتب للبريد ومكتب للقمارق ومن جهتها سعت سلطات الحماية منذ 1881 إلى بناء مدينة "جديدة أوروبية خارج أسوار المدينة العتيقة" و إلى هدم جانب من باب الفتوح ذو الرمزية والشحنة المعنويّة القويّة لدى الأهالي لبناء مبنى البلديّة الذي شيّد سنة 1912 و تحويل حبس "سيدي مطير" الذي كان ملاذ عابري السبيل والمساكين والتائهين والمشرّدين والاستيلاء على جانب كبير من هذا العقّار بداية من سنة 1909 بعنوان المصلحة العامة وذلك لبناء ثكنة ومدارس وإدارة الجمارك وإدارة الطرقات والسدود.

42وهكذا ومع تركيز الحماية الفرنسية لهيمنتها على المدينة، إبتعدنا نوعا ما عن مرحلة تحقير "الآخر" حين كان ينعت "طبق الكلب" الطابق العلوي على الطراز الأوروبي الذي بناه أحد المالطيين قرب ربض زويلة بدار ذلك "الكلب المالطي الكافر والوسخ" ودخلنا مرحلة التفاعل مع الآخر و الإستفادة من خبرته ومعرفته في "التهيئة العمرانية" والتخطيط المعماري.وهذا ما وقع بالخصوص في مرحلة ما بعد الحماية التي شهدت هي الأخرى تحوّلات هامّة في المجال المورفولوجي للمدينة العتيقة التي أصبح ينظر إليها من طرف خبراء الصيانة والتخطيط العمراني على أنّها مجال له مشاكل تحضّر خصوصيّة يصعب فضّها بواسطة أمثلة التهيئة العمرانيّة بفعل أنها مدن تاريخية كانت لها بالأساس وظيفة مدافعة وحماية بدلا من أن تكون فضاء سكن وعيش وإنتاج للموارد.

27 Pompéi, Stephano, Problèmes d’urbanisme dans le Sahel, dans « Les cahiers de Tunisie » n° 47-49, 3è (...)
28 Tyssen, T., Le rapport quotidien à l’espace habité, op. cit. pp 149-207.
29 Lamine, R., Villes et citoyens du Sahel central, Tunis, Faculté des Lettres et des Sciences Humaine (...)
43فالديار التقليدية بطرازها المعماري العربي الإسلامي تطرح مشكلة التهيئة ومقاومة الرطوبة، بحسب تقدير Pompei27، كما أن تعايش الحيوانات والآدميين داخل الدار العربي مع الضيق والازدحام يفرز مشاكل صحيّة يتفاقم أثرها مع ندرة الماء المشروب داخل الديار وغياب قنوات التصريف الصحّي وصعوبة تمرير الطرقات والمرافق وتركيز الخدمات بحكم ضيق الأزقة و الدروب والتوائها.فضلا عن الشكل الهندسي للديار الذي لا يساعد على تنظيم المجال الحضري ويجعل منه نوعا من "الفوضى الحضرية" أو المتاهة العمرانية رغم ما يسجّل داخل هذا النمط التقليدي من غياب الفوارق الاجتماعية التي تترجم إلى تعارضات في نمط بناء الدار.فالديار داخل مدن الساحل وقراه يبدو و كأنّها لا تتغير Immuable و في حالة سبات وسكون، كما أن التباين ضعيف فلا يوجد فرق كبير يلمس داخل المجال بين الفقير والغني ناهيك أنّ الأغنياء والميسورين في تلك الفترة لا يسعون إلى إظهار مظاهر ثروتهم من خلال تزويق واجهة الدار وتزيينها أو طريقة بنائها. و يضيف S. Pompei قائلا أن ظاهرة "الفيلا" في أواسط الستينات القرن العشرين لم تغيّر كثيرا من ذهنية "الساحلي" وممارساته مع المجال السكني ولم تقطع مع نمط العائلة التقليدية ولم تقدر على إزاحة دور المرأة داخل الدار العربي كما أن أشكال السكن Les manières d’habiter ما زالت في تلك الفترة محافظة على طابعها القروي العشائري والتقليدي، و هو ما دعمته دراسة أخرى في أواخر السبعينات بجهة الساحل التونسي حيث بيّنت تواصل الذهنيات السابقة في نمط السكن والسكنى أو بروز أشكال تأليفية من النمط التقليدي والنمط الغربي الوافد28 رغم ما شهدته جهة الساحل بعد استقلال البلاد من تغيّيرات مورفولوجية ومادية هامة مسّت فضاءات النواتات القديمة للمدن والقرى حيث ارتقى جانب كبير منها إلى مصاف البلديات وتعمّمت أشكال التهيئة العمرانية وتيّسرت مسألة الحصول على قروض لبناء المساكن أو تحسينها وتوسيعها وانتشرت مرافق العيش من ماء وقنوات صرف صحي ونور كهربائي ومدارس ومرافق اجتماعية و نواتات اقتصادية29 وتهيأت ظروف لاكتشاف صفة المواطن المتحضّر .Le citadin citoyen

44وهنا يتساءل المرء في خصم تأثيرات الفترة الاستعمارية على ديار المدينة العتيقة وأمام ما يشاهد اليوم من محافظة الديار على طابعها التقليدي مع انتقاء بعض مظاهر التجديد التي تتجلى خاصة في المفردات المستعملة في نعت الدار ومحتوياتها (حلّت لفظة "كوجينة" محل نوالة أو دويرة) وفي تبدل أثاث الدار والكيفية التي يملأ به فراغها ودخول عناصر جديدة في البناء كالبلّور والقرميد والاسمنت و الجليز العصري والرخام وطلي جدران الدار بالرش واستعمال تزويقات جديدة مخلّة بالنسيج العمراني العربي الإسلامي عن عمق التثاقف الذي حصل هل هو تلاقح métissage أم استيعاب أنمطة وافدة ؟ هل تتفرد مدينة المهدية بميزات محدّدة ؟

45يبدو أنّ الفترة الاستعمارية لم تترك تأثيرا ذي بال سوى في بعض أجنحة المدينة المعروفة قديما برصيف انجلترا ورصيف إيطاليا فضلا عن مساهمتها في دفع بعض العائلات للإقامة خارج المدينة والإقبال على مهن أخرى كالتجارة والمهن الحرة والوظيفة العمومية. والمهم التأكيد على أن الديار لم تندمج في الآخر أو ذابت في مكونات الثقافة الوافدة بل استوعبت عناصر منها تظهر بالخصوص في التشبّه بطرق استغلال البيت و توضيبه وتأثيثه.

30 بعيد الاستقلال وأثناء جلسة انعقدت يوم 14 فيفري 1958 و خلال الدرس مثال تهيئة المدينة تقرّر بعد التفا (...)
46وخلال العشريّات الأولى من الاستقلال بقيت المدينة العتيقة على حالها وكأنّ الزمن لم يفعل أي شيء لإخراجها من عالمها شبه الثابت بل أنّ محاضر جلسات المجلس البلدي تبيّن أن النيّة كانت تتجه إلى تعزيز وتشجيع توسّع عمراني وحضري في اتجاه تخوم المدينة و أرباضها والإبقاء على برج الرأس" على حالة الانغلاق والتقوقع و التحصّن بمقبرتها ومناطقها الأثرية30 فسادت رؤية متحفيّة في العمليات الأولى لصيانة معالمها. وبفعل الضيق وتحسن دخل الأسر الناتج عن الحراك الاجتماعي والمهني الذي أحدثته المدرسة وتأخّر إنجاز المرافق الاجتماعية ببرج الرأس من طرقات معبّدة و ماء صالح للشراب ومد قنوات الصرف الصحّي أجبرت عديد الأسر على مغادرة المدينة العتيقة أو اختارت السكن في مناطق أخرى من المدينة تتوفر فيها المرافق والخدمات الترفيهيّة والصحيّة والتجاريّة والثقافيّة.

47كما غذّت التحوّلات التي طرأت على مؤسسة العائلة "المهدوية" الرغبة أو الحاجة إلى مغادرة المدينة العتيقة. و لغاية فهم عمق هذه التأثيرات ومداها قمنا بإنجاز 20 محاورة مطوّلة ومعمّقة مع عيّنة من الأسر التي تقطن اليوم ببرج الرأس أو التي غادرتها نحو مناطق أخرى من المدينة.

31 Plan d’Aménagement Urbain de la commune de Mahdia : rapport de présentation et règlement d’urbanism (...)
48ويبين الكشف الميداني الذي قمنا به أثناء معاينتنا لحالة المدينة العتيقة أنّ حالة المباني والمساكن قد تحسنت عموما31 مقارنة بالكشف الذي أنجزته جمعية صيانة المدينة سنة 1975 وأنّ المرافق الاجتماعيّة والترفيهيّة تضاعف عددها و أنّ القيمة العقارية للمساكن ارتفعت إلى مستويات قصوى وخاصة في جهة المساكن المحاذية للبحر حيث وقع بيع بعض المنازل التي لا تتجاوز قيمتها 20 مليون من المليمات إلى زهاء 150 و 200 مليونا من المليمات.

49أنجزت المحاورات خلال خريف و صائفة سنة 2004 مع عيّنة من الأسر القاطنة حاليا ببرج الرأس أو التي غادرتها وبعض من الشخصيات المحوريّة أو المخبرين (العمدة، شيوخ المدينة الذين يمثلون ذاكرة المدينة إن صح القول و مقاول بناء أفادنا بالأساس في التعرّف على معاملات البيع والشراء التي وقعت و تقع حاليا بالمدينة العتيقة التي تحوّلت من حيّ مغادرة و رحيل إلى حيّ استقطاب). ولضمان حدّا أدنى من الموضوعية تجنّبت محاورة أشخاص تربطني معهم صلة قرابة أو صداقة قد تؤثّر على مسارمصداقية المحاورة في مسائل قد تعتبر عند البعض بمثابة "الأسرار العائليّة".

50و لحسن سير المحاورات توخيّت وسائل إقناع واستنطاق وتخاطب تتراوح بين الأسئلة التحريضيّة والأسئلة الإنعاشيّة Les questions relances وأسئلة رجع الصدى.

51وتحتوي العيّنة على خليط من أسر البحّارة وصغار الموظّفين والحرفيين والمهن الحرة أي بالأساس الأسر والعائلات التي تمثل ديار الفئات الوسطى والدني



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://albahboha.com/news148.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 1
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة 0